أقفر من أهله ملحوب.. بين التجربة الذاتية والتأملات الفلسفية

الزيارات: 775
التعليقات: 0
أقفر من أهله ملحوب.. بين التجربة الذاتية والتأملات الفلسفية
http://www.almadaen.com.sa/?p=156631
-أ. محمد حكيم

عاب كثير من الشعراء المحدثين والمعاصرين على شعراء العصر الجاهلي خلو قصائدهم من التجربة الذاتية البحتة والتي تعطي القصيدة قدرا من الصدق عند المتلقي وبالتالي قوة التأثير فيه ورسوخ الشعور بما تشتمل عليه من معان وصور، إذ يعتبرون أن القصيدة يجب أن تنبع أولا من دواخل الشاعر ولن تكون كذلك إلا إذا كانت تجربة ذاتية مر بها وسيطرت عليه بالفعل

ومن هنا عدوا التجربة الذاتية هي محور جواز القصيدة إلى قلوب وعقول المتلقين لها وشرط بقائها ما بقي للشعر من أمد. إلا أن الباحث في الآداب العربية وفي أمهات القصائد التي تعد عصب الأدب العربي من هذه الناحية وهي ناحية التجربة الذاتية بما لها من تأملات نفسية وفلسفية يجد خطأ هذا الاعتقاد الذي ساد منذ بداية النهضة الشعرية الحديثة في بدايات القرن الماضي على يد رموز المدارس الشعرية التي تمردت على موروث الشعر العربي متعللة بشعر المناسبات الذي يخلو من الصدق النفسي وبتركيبة عمود الشعر العربي القديم الذي يخلو من الوحدة العضوية والفنية للقصيدة.

ومن هنا يجب تغيير هذا المعتقد الذي سيطر إلى الآن على عقول صغار الشعراء مما حرمهم من هذا المنهل العذب من موروث الشعر العربي من هذه الناحية.

والمتأمل في القصائد القديمة التي نسجت في العصر الجاهلي يجد معظم القصائد غارقة في التجربة من أولها إلى آخرها وملتحفة بالوحدة الشعورية والجو النفسي في كل مراحلها، وإن تعددت فنونها وتركيبة أعمدتها شريطة أن يصب خلاصة بحثه عن القصيدة في داخلها الخفي الذي يحس عن طريق الألفاظ والصور والتراكيب والموسيقى الخفية ويربطها بشعور قائلها وحياته وخبراته في كل مراحل حياته، وليس في مرحلة نسجها فقط خاصة أن شعراء العصر الجاهلي يقولون القصيدة ويضعون فيها خلاصة تجاربهم السابقة بما فيها من بهجة وحزن وغضب ودهشة وذكريات متباينة ويصبغونها بشعورهم  الآني فيصبح الشعور واحد وإن كانت الأحداث مختلفة ومتباينة.

وأصدق الدلائل على صدق هذا البحث هو قصيدة عبيدة بن الأبرص… أقفر من أهله ملحوب.

فإذا نظرنا إلي القصيدة نظرة أدبية فاحصة نجد أن عبيدا بن الأبرص شاعرا من الشعراء المعمرين الذين عاشوا في كبد العصر الجاهلي ونجد أن قصيدته هذه قالها في أخريات حياته وفى خريف عمره الممتد الذي حدده بعض المؤرخين بأكثر من قرنين من الزمان، وإذا ابتعدنا قليلا عن المبالغة في تحديد عمره استخلصنا من كل ذلك أن هذه القصيدة قيلت ولم يقل عمره بأي حال من الأحوال عن مائة سنة، ومن الخطأ أن نحكم عليها بأنها قصيدة لا تراعى فيها الوحدة العضوية أو وحدة  الأجواء النفسية، ومن التجني أن نحكم عليها بانعدام التجربة الذاتية كما حكموا على جل الشعر الجاهلي بشكل عام، والصحيح أن الحكم عليها يجب أن يكون من حيث عمر قائلها زمن نسجها وبما يشعر به في لحظات خروجها من فيه لا من حيث شعوره الماضي في أيام معاصرته للأحداث التي أوردها في أيام شبابه.

وعند استعراض القصيدة من ناحية الشعور النفسي المستمد من التجربة الذاتية نجد أن هذا الشعور مغلف بالحزن والأسى منذ بدايتها إلى نهايتها وهذه التجربة أيضا ذاتية وحقيقية مر بها الشاعر في كل مراحلها ويمكن تقسيم القصيدة إلى ثلاث مراحل من الحزن والأسى يربط بينها لتكون ما يسمى بوحدة الجو النفسي والذي يدعمه الشعور الآني في وقت نسجها.

………………

المرحلة الأولى:

مرحلة الوقوف على الأطلال وما بها من منازل بالية كانت في الماضي القريب عامرة بالأهل والأحباب فأضحت أثرا بعد عين يسكنها الأشباح ويمرح فيها الخراب وما يحيط بها من جفاف منابع المياه وخلاء الجداول إلا من بقايا قليلة من الماء المكدر بفعل الرمال وهجرة الأهل، وهذه المرحلة لا يخفى على أحد أنها متلازمة مع الشعور النفسي الحزين ولا يعقل أن يقف الشاعر على أطلاله وهو مكسو بالفرح والسرور… يقول الشاعر في مطلع هذه المرحلة:

عيناك دمعهما سروب……….. كأن شأنيهما شعيب

أو جدول في ظلال نخل……. للماء تحته سكوب

واهية أو معين ممعن………… من هضبة دونها لهوب

أو فلج ببطن واد ……………. للماء من بينه قسيب

وعند النظر إلى الصور البيانية التي أوردها الشاعر نجد أنها تنطق بالحزن والأسى والندم على الأيام والأزمنة الماضية وهذه الصورة تتلخص في تصوير دموع العينين في غزارتها تارة بالقربة البالية التي لا تمتلئ أبدا ولا تكف عن طلب الماء، وتارة بالنهر المتدفق بالماء، وتارة بهضبة متصدع أصلها… وهذه الصورة بما فيها من ألفاظ وعبارات تكشف لنا عن شعوره الحزين لمفارقة الأهل لملاعب صباه

ويستمر الشاعر في شعوره الحزين بذكر نضوب منابع المياه التي كانت هي سر سطوة أهله في أيام الشباب، ويورد لنا صورة حزينة بها تعليل على ما وصل إليه حال الديار والمياه من خراب ونضوب.

يقول عبيد:

أقفر من أهله ملحوب……… فالقطبيات فالذنوب

فراكس فثعيلبات. ………… فذات فرقين فالقليب

فعردة فقفا حبر………………. ليس بها منهم عريب

أن بدلت أهلها وحوشا. ……… وغيرت حالها الخطوب

………….

انظر إلى الاستعارة المكنية في قوله.. “وغيرت حالها الخطوب”، تجد أن كلمة الخطوب، وهي لفظ الاستعارة ممتلئ بالحزن والأسى ليعبر تمام التعبير عن مكنون شعوره الداخلي لفقد مصادر المياه والجداول والأنهار التي كانت تحيط بالديار

وما ينطق به لفظ .. “أقفر”… والنفي في عبارة.. “ليس بها منهم عريب”.

 

المرحلة الثانية:

مرحلة الحكمة الدالة على تجربته الذاتية والمرتبطة بالمرحلة الأولى للقصيدة، حيث يكمل الشاعر ألفاظه وتعبيراته التي تكمل الصورة الحزينة للجو النفسي الذي يسيطر عليه من خلال وصف حال الديار وتحول أهلها من النبض بالحياة إلى القتل أو الشيخوخة ثم يربط ذلك كله بإيراد الحكم المستخلصة من تجاربه وفلسفته المكتسبة عبر تقادم الأزمان عليه.

ولا يستقيم كل ذلك إلا إذا كانت له تجربة ذاتية يستطيع من خلالها تصدير حكمته وتجربته إلى المتلقى للقصيدة وفي نفس الوقت هي مرتبطة بالمرحلة الأولى تمام الارتباط لآن العرب الجاهليين لا يقيمون للدين وزنا في أشعارهم بل حكمتهم نابغة من تجاربهم وعاداتهم الموروثة.

(كانت حكمة العرب راجعة إلى وثاقة الحلوم وشدة العقول، فهي حكمة لا تجري على مذهب ولا تدور في نحلة، ولا أقاموا لظاهر الأديان في شعرهم وزنا) “تاريخ آداب العب للمنفلوطي ص 87 الجزء الثالث”.

إذن الحكمة هنا لا تنفصل عن الأبيات السابقة التي بدأ بها قصيدته بل هي زبدة تكوينه الفلسفي.

وأبيات عبيد الحكيمة هنا تنطق بالحزن والأسى لتعلل لنا عن وصول الحال لما سبق إيراده.

يقول عبيد:

أرض توارثها شعوب ……… فكل من حلها محروب

ويظل يورد حتى يورد الأسباب على شكل حكم فيقول:

فكل ذي نعمة خلوس ……….وكل ذي أمل كذوب

حتى يورد الاستفهام الذي يدل على النفي وما يحويه من تشبيه حزين في قوله:

أعاقر مثل ذات ولد ………… أم غانم مثل من يخيب

فإذا نظرنا إلى الصورة والاستفهام نجد الحزن والأسى هما المسيطران على جوه النفسي.

ويستمر في إيراد بعض الوصايا التي تدل على حكمة وتجربة بصورة حزينة أيضا فيقول:

أفلح بمن شئت فقد يبلغ بالضعف………. وقد يخدع الأريب

لا يعظ الناس من لا يعظ الدهر ………… ولا ينفع التلبيب

إلا سجايا من القلوب …………………… وكم يرى شانئا حبيب

حتى يصل إلى قوله:

والمرؤ ما عاش في تكذيب………………. طول الحياة له تعذيب

بالله يدرك كل خير ……………………… والقول في بعضه تلبيب

نجد موسيقى الأبيات وألفاظها، “وقد يخدع، ولا ينفع، شانئا، تعذيب، تلبيب” توضح لنا مدى النظرة والإحساس الحزين الطاغي على الابيات ويصلها بالحزن الذي تبدأ به القصيدة في مرحلتها الأولى.

المرحلة الثالثة:

خاتمة القصيدة بمغامراته المرتبطة بوصف ناقته، وهذه المرحلة تمثل الخاتمة لهذا الشعور الحزين الذي سيطر على الشاعر طيلة مراحل القصيدة، إذ الوصف عامة هو أصدق الطرق لاستكشاف الحقيقة عند العرب الأوائل لأنه يمثل الحقيقة عن طريق التصور سمعا وبصرا وفؤادا ولا سيما إذا ارتبط بتجربة ذاتية كما في القصيدة.

وإذا سملمنا بان الشاعر نسج قصيدته في أخريات حياته كما أثبت الرواة نستخلص أن الشاعر يسترجع أيام شبابه عن طريق سيطرته على ناقته وهي عفية قوية لا تضعف أمام الوحوش والعقبات.

يقول عبيد:

فذاك عصر وقد أراني ……………… تحملني نهدة سرحوب

مضمر خلقها كميت ……………….. ينشق عن وجهها السبيب

ويستمر في الوصف:

كأنها لقوة طلوب ……………………. تخر في وكرها القلوب

ويستمر في وصف قوتها بعد خوفها من الثعلب:

فنفضت ريشها وانقضت …………….. وهي من نهضة قريب

تدب من خوفها دبيبا ………………….والعين حملاقها مقلوب

فاشتال وارتاع من حسيسها ………….. وفعلها بفعل المذءوب

فأدركته فطرحته …………………. فكدحت وجهه الجبوب

يضغوا ومخلبها في دفه ……………لابد من حيزومه منقوب

فإذا نظرنا إلى مرحلة الختم بالوصف فسنجد أنه ليس محض وصف بقدر ما هو ترحم على أيام القوة والشباب والتي تظهر من خلال الحكاية عن زمن مضى، ويرتبط ذلك بالصور التي أوردها ومن الضمائر التي تشعرك بالحزن المرتبط بالتوجع.

من هنا نستخلص أن القصيدة كلها من أولها إلى أخرها ليس فيها تعدد للجو النفسي ولا تباين في الموضوعات، فهي كل متكامل مع بعضه في جميع مراحلها حتى الموسيقى الظاهرية التي تتمثل في اختيار الشاعر للوزن وإن كان غير مستقيم طوال القصيدة إلا أنه يشعرك بالحزن، وكذلك القافية والصورة والألفاظ المختارة مما يسقط معه الاتهام بعدم وحدة الجو النفسي.

كذلك كل مرحلة من مراحل القصيدة ترتبط بترتيب داخلي مع بعضها وتتكامل مع المرحلتين التاليتين مما يسقط معه دعوى عدم الوحدة العضوية.

كذلك المراحل الثلاثة نابعة من تجربة مر بها الشاعر بالفعل وإن كانت متباعدة فإن ذلك لم يؤثر في كونها تجربة ذاتية كاملة.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>