إهانة النقد الأدبي

الزيارات: 1048
التعليقات: 0
إهانة النقد الأدبي
http://www.almadaen.com.sa/?p=172254
-محمد حكيم

النقد الأدبي في مجمله هو مفهوم يعمل على تمييز الجيد من الرديء من النصوص الأدبية، وهذا المفهوم المكون من كلمتين فقط ما هو إلا نتيجة الغوص في ينابيع اللغة بكافة فروعها وفنونها وليس مجرد كلام مرسل يقوم به الفرد دون توضيح وتفصيل لدقائق النص الأدبي وما يحويه من بواطن تخفى على المتلقي، وفى الحقيقة أن الناقد الجيد هو الذي يبني نقده على أسس دراسية وعلم بكل فنون اللغة من نحو وصرف واشتقاق، وعلوم البلاغة وفنونها من بيان ومعان وبديع، والعروض وبحوره وتفريعاته، وحفظ الكثير من أشعار التراث العربي وقصائده الأمهات من عصوره المختلفة لتنمية الثروة اللغوية والبلاغية والموسيقية لتكون أساسا يعود إليه في بقية فروع وفنون اللغة، ودراسة الكثير من كتب الأدب وفنونه التي ألفها جهابذة التأليف العرب في عصور مختلفة، ويكون على علم بالمناطق الجغرافية التي عاش فيها العرب وعاداتهم الاجتماعية والسلوكية، وأيامهم ومثالبهم ومآثرهم، وتاريخ اللغة وتطورها منذ نشأتها وحتى وصولها إلى العصر الذي يعيش فيه.

وهذه المعطيات التي يجب أن تتوفر في الناقد ليست تتكون لديه بين عشية وضحاها، بل هي خلاصة دراسة سنوات عديدة تتراكم بفعل بذل الجهد في تحصيلها، سواء كانت عن طريق الالتحاق بالمعاهد والجامعات المتخصصة في تدريس فنون اللغة، أو عن طريق التعلم الشخصي الذي يقوم أولا على الخيال ثم الهواية حتى يصل إلى درجة العشق لفنون لغته وإن كان لم يدرس في مدرسة متخصصة إلا أن تدريبه الدائم لنفسه وتذوقه لهذه الفنون يجعله مع الوقت يصل إلى تنمية موهبته ليصبح من الأعلام في فنه.

لكن هل تكفي الدراسة لكل ما أوردته سالفا لتربية ناقد أريب؟ بالطبع لا، فالناقد الأريب يجعل من علمه ودراسته وسيلة للتواصل مع النص ومغازلته بها  لا فرضها عليه، يضفي على النص إبداعا خفيا يظهر في تأثره به إيجابا أو سلبا، ومن هنا يأتي دور التذوق المتملك في نفسه ليظهر ذاته وبصمته على النص، فليس كل دارس ناقد وإنما الإحساس بما درسه هو الحد الفاصل بينه وبين الناظر العادي، وتذوقه للغته ودراستها بحسه ودواخله هي التي  تجعله يشعر أولا بما ينقده ليستخدم روح اللغة في توصيل النص بما يستحقه من جودة أو رداءة، ومن هنا يأتي اختلاف النظرات النقدية بين ناقد وناقد لأن كلا منهما له ذوقه وإحساسه المختلف عن الآخر، فقد يحكم ناقد على نص بالجودة، في نفس الوقت الذي يحكم عليه آخر بالرداءة تبعا لاختلاف الأذواق المبنية على الدربة والدراسة التي أسلفتها.

والمزعج الذي نتأثر به هو ادعاء الكثيرين بأنهم نقّاد ويقيمون الدنيا بلقبهم الذي أرى أنه تجني على هذا العلم الذوقي الرفيع، في الوقت الذي يثني أو يقدح في قصيدة دون الاستناد إلى أسباب واضحة، علمية أو فنية أو ذوقية، والأدهى أنه يكتب بخط الثلث على صفحته اسمه ممهورا بكلمة ناقد أدبي!!.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>