لمحات عن التحكيم في الإسلام

الزيارات: 214
التعليقات: 0
لمحات عن التحكيم في الإسلام
المستشار خالد السيد
http://www.almadaen.com.sa/?p=274043
-المستشار خالد السيد

يتفق الفقهاء على عدم جواز التحكيم في القصاص وفي الحدود على خلاف فيما كان حقا لله فلا يجوز فيه التحكيم ، أو حقا لآدمي فيجوز فيه التحكيم عند البعض .

أجاز الحنفية التحكيم في كل ما يملك المحكمان فعله في أنفسهما من حقوق العباد ، وبناء على هذا قالوا يجوز التحكيم في الأموال والطلاق ، والعتاق والنكاح ، وتضمين السرقة ، وفي سائر المجتهدات ، ومع أن هذا هو الصحيح في المذهب إلا أن مشايخ الحنفية امتنعوا عن هذا للفتوى كي لا يتجاسر العوام فيه .

وأجاز المالكية التحكيم في كل ما يصح لأحد المحكمين ترك حقه فيه ، فقالوا : بجواز التحكيم في الأموال من دين وبيع وشراء فللمحكم الحكم بثبوت ما ذكر أو عدم ثبوته ، ولزومه وعدم لزومه وجوازه وعدمه ، كما يجوز التحكيم في الجرح عمدا أو خطأ ، ولو عظم كجائفة وآمة ومنقلة وموضحة ، أو قطع لنحو يد .

وعند الشافعية يجوز التحكيم في حقوق الأموال ، وعقود المعاوضات ، وما يصح فيه العفو والإبراء ، وعندهم قسم مختلف فيه ، كما قال الماوردي ، وهو أربعة أحكام : النكاح واللعان ، والقذف والقصاص . ففي جواز التحكيم ، فيها وجهان : أحدهما : يجوز لوقوفها على رضا المتحاكمين .

والثاني : لا يجوز ؛ لأنها حقوق وحدود يختص الولاة بها ، وفي مغنى المحتاج وغيره جواز التحكيم في المال دون القصاص والنكاح ونحوهما كاللعان وحد القذف .

أما الحنابلة فقد اختلفوا في ما يجوز التحكيم فيه فقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أن التحكيم يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان قياسا على قاضي الإمام ، وقال القاضي : يجوز حكمه في الأموال الخاصة كما سبقت الإشارة . ونص موفق الدين بن قدامه : على نفاذ حكم المحكم في المال والقصاص والحدود والنكاح واللعان ، قال المرداوي : وهو المذهب.

إذا حكم المحكم فيما لا يجوز له الحكم فيه كالحكم في حد أو قصاص أو لعان أو غيره مضى حكمه ، ولا ينقضه الإمام ، ولا القاضي إن حكم صوابا ، لأن حكم المحكم يرفع الخلاف ، ولكن يؤدب المحكم إن أنفذ حكمه بأن قتل أو ضرب ، أما لو حكم ولم ينفذ ، فإن القاضي يمضي حكمه وينهاه عن العودة ولا يؤدبه. أما إن لم يصب فعليه الضمان ، فإن ترتب على حكمه إتلاف عضو فالدية على عاقلته ، وإن ترتب عليها إتلاف مال كان الضمان في ماله .

وقال الشافعية والحنابلة : ليس للمحكم أن يحبس ، بل غايته الإثبات والحكـم ، وقـال الغزالي : إذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص ، وحد القذف لم يستوفه ؛ لأن ذلك يخـرم أبهة الولاية. وقال أبن أبي الدم : المذهب أنه لا يحبس ، بل ليس له إلا الإثبات ، ولا خلاف أنه ممنوع من استيفاء العقوبات إن جوزنا التحكيم فيها ، لأنها تخرم أبهة الولاية العامة .

ومن المتفق عليه عند الفقهاء أن حكم المحكم لا يلزم غير المتخاصمين ؛ لأن مبناه على الرضا فإذا تعدى إلى غيرها لم يلزم ، وهذا ما جرى عليه الفقهاء في اللعان والنسب ونحوهما مما سبـق ذكره . وفصل الماوردي فيما إذا تعدى الحكم إلى غير المتنازعين فجعله على ضربين :-

الضرب الأول : ما كان منفصلا عن الحكم ، ولا يتصل به ، إلا عن سبب موجب كتحاكمهما إليه في دين فأقام به مدعيه بينة شهدت بوجوب الدين ، وأن فلانا ضامنه لزم حكمه في الدين ، ولم يلزم حكمه في الضمان لوجود الرضا ممن وجب عليه الدين ، وعدم الرضا ممن وجب عليه الضمان .

الضرب الثاني : أن يكون متصلا بالحكم ، ولا ينفصل عنه ، إلا بسبب موجب كتحاكمهما إليه في قتل خطأ قامت به البينة ففي وجوب الدية على العاقلة التي لم ترض بحكمه وجهان :

الوجه الأول : تجب عليه الدية لوجوبها على الراضي بحكمه إذا قيل إن الدية تجب على الجاني ثم تتحملها عنه العاقلة .

الوجه الثاني : لا تجب على العاقلة الدية ، لأنهم لم يرضوا بحكمه إذا قيل أن الدية تجب ابتداء على العاقلة.

وعليه إذا رفع المحكمان حكم المحكم إلى القاضي وتحاكما عنده نفذه إن وافق مذهبه ، لأنه لا فائدة في نقضه ثم إبرامه ، ثم فائدة هذا الإمضاء أن لا يكون لقاض آخر يرى خلافه نقضه إذا رفع إليه لأن إمضاءه بمنزلة قضائه ابتداءً ، ولو لم يمضه لنقضه وإن لم يوافق مذهبه أبطله ، لأن حكمه لا يلزمه لعدم التحكيم من جهته بخلاف ما إذا رفع إليه حكم حاكم حيث لا يبطله ، وإن خالف مذهبه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع ؛ لأن المولى من جهة الإمام له ولاية على الناس كافة فكان نائبه له فيكون قضاؤه حجة في حق الكل ، فلا يتمكن أحد من نقضه كحكم الإمام نفسه .

بخلاف المحكم ؛ لأنه باصطلاح الخصمين ، فلا يكون له ولاية على غيرهما ، ولا يلزم القاضي حكمه بمنزلة اصطلاحهما في المجتهدات حتى كان له نقض اصطلاحهما إذا رأى خلاف ذلك فكذا هذا ، وهذا لأنه أعطى له حكم القاضي في حقهما حتى اشترط فيه شرائط القضاء ، وفي حق غيرهما كواحد من الرعايا ، لكن لو غاب المحكم أو أغمي عليه ، وبرئ منه أو قدم من سفره أو حبس كان على حكمه لأن هذه الأشياء لا تبطل الشهادة ، فلا تبطل الحكومة ، وكذا لو ولي القضاء ثم عزل عنه فهو على حكومته ، لأن العزل لم يوجد من جهة المحكمين ، وإنما وجد من جهة الوالي وولاية الحكومة مستفادة من جهة المحكمين لا من جهة الوالي ، وكذا لو حكم بينهما في بلد آخر جاز لأن التحكيم حصل مطلقا فكان له الحكومة في الأماكن كلها . لكن قال الشافعية : إذا ثبت الحق عنده وحكم به أو لم يحكم فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة ، إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعـد العزل .

 الرجوع عن التحكيم

لما كان التحكيم مبنيا على رضا الخصمين فقد اختلف الفقهاء في حقهما أو حق أحدهما في الرجوع عن التحكيم فمن اشترط استمرار الرضا إلى صدور الحكم أجاز الرجوع ، ومن لم يشترط لم يجز الرجوع .

فذهب الحنفية إلى جواز رجوع أي من الخصوم عن التحكيم قبل ن يصدر حكم المحكم ، لا بعد صدور الحكم .

وعند المالكية لا يشترط دوام رضا الخصمين إلى حين نفوذ الحكم ، بل لو أقاما البينة عنده ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم فليقضي بينهما ويجوز حكمه ، وقال أصبغ لكل واحد منهما ما لم ينشبا في الخصومة عنده فيلزمهما التمادي فيها ، وقال سحنون بقول الحنفية لكل واحد منها الرجوع ما لم نفصل الحكم بينهما .

وقال الشافعية بمذهب الحنفية ، بجواز الرجوع قبل تمام الحكم وقالوا كان بعد إقامة البينة والشروع فيه ، فيمتنع الحكم .

وقال الحنابلة بجواز الرجوع قبل الشروع في الحكم ، وأما بعد الشروع فوجهان :

الأول : له الرجوع .

الثاني : ليس له الرجوع وصوبه المرداوي .

الإشهاد على الحكم  

وهو شرط عند الحنفية لقبول قول المحكم عند الإنكار وليس شرطا لصحة التحكيم ويشترطون الإشهاد في مجلس القضاء.

وعند الشافعية ينبغي أن يشهد على نفسه في المجلس الذي حكم بينهما فيه قبل تفرقهم ، لأن قوله بعد الافتراق لا يقبل ، كما لا يقبل قول الحاكم المطلق بعد العزل  .

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>