ما هي رحلة الجرداغ؟!

الزيارات: 399
التعليقات: 0
ما هي رحلة الجرداغ؟!
http://www.almadaen.com.sa/?p=382337
بقلم-د. حسين فرج الله

الجرداغ لعرب مدن شمالي الأحواز ليس مجرد موسم لجمع التمور والمحاصيل، بل هذه المفردة تذكرنا بقصص من أجدادنا وآبائنا حول رحلاتهم للعمل في موسم الجرداغ.
للجرداغ قصص وحکایات في تاريخ الأحوازيين، وسمعنا كثيرا من أجدادنا وآبائنا أنهم ذهبوا في موسم الجرداغ إلى المحمرة وعبادان، ويعملون لعدة أشهر في تلك المدن، ثم يعودون لمدنهم وقراهم الشمالية، بعد إنهاء موسم الجرداغ، هذا الموسم يبدأ من حدود أول الخريف (الشهر السابع حتى التاسع) وكانوا يعملون في جمع وتكديس التمور في مخازن يقال لها في اللهجة الجرداغ أوالچرداغ. وهی مفردة تركية جاءت مع التطور الاقتصادي في المدن المذكورة في القرون الأخيرة وسيطرة الدولة العثمانية على الموانئ وطرق تجارة التمور والدبس. قبل أن تحتل الدولة العثمانية أرض العراق وتهيمن على ميناء البصرة والتجارة البحرية، كانت التمور تعلب وتباع في نوع من الظروف المصنوعة من سعف النخیل تسمى «الحِلّانة أو الرطيلية»، ولاتزال توجد هذه المصنوعات في تلك المدن المذكورة، ولكن بعد سيطرة الدولة العثمانية على التجارة في البر والبحر، دخلت مصطلحات وأسماء تركية وهندية في التجارة ودخلت البلاد عملات أجنبية ولانزال نسمع من كبار السن بعض الأسماء والمفردات وأسماء عملات لا نعرفها اليوم، من هذه الأسماء والمفردات، مفردة جرداغ يعني مستودع التمور، الليرة وهي عملة بريطانية، الربية وهي عملة هندية والقران وهي عملة تركية وسائر العملات الرائجة آنذاك.

يقول عبدالأمير حسوني الشويكي في كتاب موسوعة اللهجة الأهوازية حول مفردة جرداغ -چرداغ (چرداغ وجمعها چرادیغ: محل صناعة وتعليب التمور (چرداغ: أصلها من مفردة چارداک الترکیة، مكبس التمور).

(عبدالأمير الشويكي – موسوعة اللهجة الأهوازية، ص٢٠٢)

 

العمل في الجرداغ كان يوفر القليل من المال للعوائل وكانت فرصة عمل لكل أفراد العائلة، فتذهب العائلة من قرى الشعيبية والقوماط في تستر والسوس وسائر القرى المجاورة والمدن، تصعد في القطار من محطة نمرة خمسة، أو محطة السلة أو محطة خاور ويذهبون إلى مدينتي عبادان والمحمرة، الرجال يعملون في حمل التمور وتجميعها والنساء، والأطفال يعملون في تنظيف وفرز التمور وتكديسها.

كان يقول جدي حين نذهب للجرداغ نسكن في حي الكواخة أو نبني كوخاً من سعف النخل في المزارع وبساتين التمور المجاورة للمدينة والقرى ونجمع النساء والاطفال في كوخ والرجال في كوخ ثاني وهذه الحالة تستمر لحدود ثلاثة أشهر حتى انتهاء موسم الجرداغ.

جمع التمور وتكديسها في المخازن، يتطلب قوة ونشاط حتی يستطيع الرجل يحمل التمور في الصناديق من البستان إلى المستودع أو الجرداغ ويوجد حوض كبير يكدسون فيه التمور حتي يخرج الدبس منها ثم يملؤون ظروف حديدية أو نحاسیة أو خزفية من الدبس حتى يرسلونها للميناء لترحل سفرها الطويل أما للغرب من بريطانيا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وسائر البلدان وهكذا تذهب السفن التجارية المحملة بتمور عبادان والمحمرة والبصرة، والدبس والقمح والشعير والأرز شرقا حتى تصل الصين والهند وجنوب شرق أسيا.

مدينة السوس وقراها وتستر والصاحية كانت أهم مدن التي يذهب أبنائها للحصول على عمل موسمي في هذه الفترة، لأن مزارعهم في هذا الموسم لا تحتاج عناية خاصة بل يزرعون القمح (الحنطة) وينتظرون هطول الأمطار، لأن كانت الزراعة دائماً (يعني يزرعون على المطر ولا يوجد ري أو مضخات لضخ الماء على المحاصيل)، ففي هذا الوقت يذهبون للمحمرة وعبادان حتى يحصلون علي فرصة عمل موسمي في الجرداغ، وكثير سمعنا من أجدادنا أن بيت فلان ذهبوا للمحمرة ولم يرجعوا للسوس أو تستر وبقوا في تلك المدينة، أو ذهبوا من بعدها لمدينة العمارة في العراق أو ميناء البصرة وتركوا بلادهم لعدم وجود عمل وصعوبة الارتزاق والشح في المطر وقلة زراعة القمح والشعير.

عدد النخل في مدينتي المحمرة وعبادان أكثر من ١٢ ملايين نخلة وهذا العدد يتطلب الكثير من العمال لجمع المحاصيل وتنظيف، تجفيف، تعليب، تكديس التمور. وهكذا وفور العمل وكثرة العمال في هذه المدن وازدهار التجارة العالمية ودخول السفن والمراكب التجارية، جعل مدينتي عبادان والمحمرة من أهم المدن التجارية آنذاك، وفتحت الكثير من المقاهي والمتاجر والأسواق مثل سوق التمور وسوق الخشب، سوق الطابوق، لأن المحمرة وتحديد في منطقة الدوغ كانت أكبر مصانع للطابوق وتصديره إلى الكويت وسائر بلاد الخليج، هكذا تطورت المدينة وأصبح فيها الكثير من القنصليات الأوروبية والأسيوية.

من أهم جراديغ المحمرة وعبادان (الچرداغ الذي يقع في منطقة كوت الشيخ ويعرف بچرداغ حجي يابر، چرداغ عبدي زاده آلبونایي أو آلبونایل، البوناهي، چرداغ الشریفی، چرداغ حجي منصور فاضلي، چرداغ خالد فاضلي، چرداغ حجي رزاق محمد نژاد، چرداغ بازرگاني، چرداغ جلال موقر، چرداغ أحمد زادة).

من أهم تجار المحمرة عائلة حاج يوسف الكاسبي وهو من أجداد شيخ خزعل الكعبي وجاء ذكرهم في الكثير من الاتفاقيات التجارية بين أمير المحمرة وبريطانيا وسائر الدول الغربية وهذا الحال استمر حتى بعد فترة الأمير خزعل.

 

وكانت تعمل عدة شريكات غربية ومحلية في التجارة البحرية والملاحة في نهر كارون، من هذه الشريكات، شريكة أخوة لينج، قري وبل (گری وپل) شریکة الناصرية، وشريكة تابعة للأمير خزعل وأخوه مزعل.

(سعيدي نيا حبيب الله، كشتی را در کارون، ص٢٥)

في السابق كان كبس التمور له مكان خاص وهذا المكان يدعى “جرداغ” حيث أنه مكان مخصص لجلب التمر بصناديق خشبية من البساتين حيث يتم بيعها من قبل اصحاب بساتين النخيل على صاحب الجرداغ، وبعد جلب التمر يتم تصفيته ومن ثم “تفشيكه” وهنا يعني هو استخراج النوى من التمرة نفسها ليتم استبدالها بمادة الجوز وبعد اكمال عملية الكبس يتم بيعه وهنا البيع ليس محليا بل تصديره إلى البلدان المجاورة والبعيدة أيضا.”

 

وأضاف: “كان الجرداغ يوفر فرص عمل للرجال والنساء، حيث النساء يعملن على عزل النوى عن التمر وكان هذا بأجر يومي يحتسب على عدد الصناديق، بينما كانت مهنة الرجال هي جلب التمر قبل الكبس وأخذه إلى أماكن البيع بعد كبسه، وكان الجرداغ يبنى على المناطق المحاذية على الأنهر لكي يتسنى دخول الابلام، وهنا يعني الزوارق إلى الأنهر لتحميل التمر حيث لم يكن في ذلك الحين وجود للسيارات، وأيضا كانت وظيفة الزورق هو إيصال التمر المكبوس إلى السفن التي تقوم بعملية التصدير وهناك عدد كبير من الجراديغ لكنني لا أتذكر سوى اسم واحد وهو جرداغ حجي بدر في منطقة أبي الخصيب.

 

كانت مكابس التمور منتشرة في أرجاء البصرة غير أنها تتركز بحكم كثرة البساتين في قرى أبي الخصيب (في العراق) وعلى ضفتي شط العرب منشطة الحركة التجارية والاقتصادية والاجتماعية حيث مراسي المراكب والمقاهي والدكاكين (هكذا نجد مدبنة عبادان والمحمرة والفلاحية) غير أن تجارة التمور تعرضت إلى أكثر من نكسة بدء من الخمسينات من القرن الماضي، مع أنها كانت مصدر رزق لمئات العائلات الجنوبية وغير الجنوبية.

كانت عشرات من مكابس التمور (الجراديغ) تنهمك في موسم الخريف في تصنيع وكبس أجود أنواع التمور وتصديرها من بينها تمور الداود ومارين وكذلك جرداغ مجيد سلومي على ضفة نهر الخورة وغيرها كثير. كان الحاج نعيم السلمي والسيد فاخر أبو العيس وهما وكيلا شركة هلس إخوان الشرقية المتحدة وبعض أصحاب معامل التمور أمثال الشيخ مصطفى آل إبراهيم وغضبان أمنوني وتوفيق مارو يصدران، على سبيل المثال لا الحصر كميات من التمور المصنفة إلى العديد من دول الشرق والغرب واشتهرت السكاكين المستوردة لتفشيق القشور لدى أوساط مكابس التمور فاطلقت عليه تسميتا الجوكية والفرنكية نسبة إلى المستر جوك والمستر فرانك.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>