الاغتراب في زمن التواصل

  • 08 ديسمبر 2016
  • لا توجد تعليقات

أحمد خلف الله

رغم أهميتها وفوائدها التي لا تنكر إلا أن شبكة المعلومات العالمية المعروفة بـ”الانترنت” تركت آثارا سلبية في حياتنا عامة، وبين فئة الشباب والمراهقين خاصة، حيث توافرها والإقبال على استخدامها، فتشير التقارير إلى أن نسبة استخدام الشبكة العنكبوتية من المنزل في السعودية عند الأفراد والأسر بلغت حوالي 76%.

ولعل غياب دور الأسرة في المتابعة والرقابة على أبنائها، أسهم بشكل فعال في إدمانهم استخدام الانترنت، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، مثل “فيس بوك” و”تويتر” و”يوتيوب” و”سناب شات” وغيرها من التطبيقات على الهواتف الذكية، وما تقدمه الشبكة المعلوماتية وتتيحه بسهولة من أفكار غريبة وخاطئة لا تتماشي مع القيم السامية والمبادئ الراقية التي يتسم بها عالمنا العربي.

فبدلا من أن يكون لاستخدام التكنولوجيا والتطور الهائل في تبادل المعلومات والانفتاح على المجتمعات، دورا هادفا في ارتقاء الشباب والنشء بأفكارهم، صار الانفتاح خطرا داهما يفسد العقول ويغير الطباع والهوية. حيث أسرف الشباب والصبية في قضاء أثمن الأوقات في محادثات لا قيمة لها، أو ألعاب إلكترونية عديمة الجدوى، هربا من أوقات الفراغ، أو مشاهدة مواقع غريبة تدمر زهرة الشباب.

ليس هذا فحسب بل أدى إدمان الانترنت وبالأخص مواقع التواصل الاجتماعي إلى تفكك الروابط الأسرية، حيث لم نعد نرى الكثير من أولادنا يألفون الجلوس مع والديهم وبقيه أفراد الأسرة، وفقدوا التواصل مع ذويهم، وظهرت من خلال ذلك ما يعرف بظاهرة “الاغتراب الأسري”، وأصبح كل شخص يلهث وراء مواقع التواصل الاجتماعي التي تحمل في باطنها الترابط الاجتماعي لكنها في الحقيقة لا تحمل إلا تواصل افتراضي وعلاقات وهمية لا تغني ولا تسمن من جوع، تضر أكثر مما تنفع.

بل وأصبحت مواقع التواصل تحمل عادات مسمومة وعلاقات هدامة تغير الفكر والهوية وتنشر أفكار الحرية بلا قيود، أو التطرف والعنف والجريمة، وتزعزع الانتماء العربي، بدلا من أن يتمسك النشء من أولادنا بالهوية العربية والثقافة الدينية الواعية. وهو ما ظهر في المملكة وغيرها من البلدان العربية مؤخرا حيث يتم القبض على شبكات إرهابية تعتنق الفكر المتطرف من خلال تبادل هذه الأفكار على مواقع التواصل، والتخطيط للقيام بعمليات ضد أوطانهم. أو ابتزاز الآخرين للحصول منهم على أموال، أو الترويج للمخدرات والمسكرات من خلال موقع “سناب شات” وغيره من المواقع.

وما يجعل هذه التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال الاجتماعي تشكل خطرا في أحيان كثيرة هي أنها متاحة للجميع دون استثناء، فالكل يستخدمها المثقف والجاهل، الغني والفقير، الكبير والصغير، حيث يكون هناك تباين في الثقافات والاستعدادات الفطرية والإدراك، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست عليها رقابة وبالتالي تأثيرها أكبر على فئات وأصناف معينة من البشر.

هذا الاغتراب الأسري الذي يسببه التواصل الاجتماعي الافتراضي على المواقع الإلكترونية تعالجه الأسرة نفسها من خلال البقاء على الاتصال الدائم بأبنائها، والحرص على الاجتماع اليومي قدر الإمكان بشكل مباشر، وغرس القيم والعادات السليمة داخل شخصياتهم، وتشجيعهم على تنمية مهاراتهم ومواهبهم الفنية والأدبية والرياضية، وإتاحة الفرصة لهم لاستخدام جميع وسائل التكنولوجيا الحديثة تحت رقابة الأسرة، مع الحرص على استقلال شخصيتهم في نفس الوقت لتقويم أي اعوجاج يظهر في استخدام هذه المواقع.

وفيما يتعلق بالمجتمع فيجب أن يتخذ عدة خطوات لحماية أمنه وشبابه أهمها توفير فرص العمل، فالقضاء على البطالة هو أهم ما يحتاجه الشباب، كذلك فتح أبواب الإبداع أمامهم، ليستطيعوا خدمة أنفسهم وأمتهم، واستغلال وسائل الإعلام عموماً في توجيه الشباب ثقافياً وعلمياً واجتماعياً، وكذلك ربط شباب الأمة بعلمائها وشيوخها وأدباءها ورياضييها، والعمل على غرس عقيدة الإيمان بالله، ومراقبته، وتربيتهم على الرغبة فيما عند الله من الأجر والثواب، إضافة إلى تزويدهم بالقيم الإسلامية التي تحافظ على أصالة أمتهم وتراثها، مع الدعوة إلى الانفتاح على تجارب الآخرين والاستفادة من كل ما فيه خير وصلاح.

هذا إلى جانب الرقابة الأمنية بحيث لا تتعارض مع الحرية الشخصية، وكذلك سن القوانين والتشريعات لملاحقة المخالفين وتغليظ العقوبات على المتهمين ليكونوا عبرة لغيرهم حفاظا على أمن البلاد والعباد من الفتن والبلاء.

ebee0162d027925350b89259928a1df3

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*